الإصلاح التربوي بالمغرب من البرامج إلى المنهاج التربوي (الجزء الأول)
إن الدارس لعمليات الإصلاح التربوي بالمغرب من خلال تتبع السيرورة التاريخية ،يقف على مجموعة من الحقائق، ميزتها الأساسية، عدم تحديد العلاقة بين الإصلاح والمناهج نتيجة مايلي :
*عدم الوعي الكافي للتمييز بين المناهج والبرامج
*تحكم الخلفيات الفكرية، شتت عمليات الإصلاح
*استعجال النتائج المنتظرة من الإصلاح
*ضعف المشاركة الفعالة لكل المتدخلين.
ومع غياب الرؤية والمنطق المتدرج للأولويات، وعدم توسيع دائرة المتدخلين والمهتمين من باحثين، وأكاديمين، وأساتذة،وأبآء،ومجتمع مدني،جعل معظم الإصلاحات ترميمية،أكثر ماهي استجابة لحاجيات وتطلعات مجتمعية، بالإضافة إلى منطق السياسات القطاعية، وعدم تلاقي برامج الإصلاح.
كل هذا عجل بفشل وعدم فعالية معظم البرامج الإصلاحية.
وللغوص في كيف بدأ الإصلاح وإلى أين انتهى، سأكتفي في هذا الجزء الأول، تقديم عرض لأهم مراحل الإصلاح التربوي بالمغرب منذ الإستقلال إلى يومنا هذا، وفي الجزء الثاني سأتطرق إلى مداخل الإصلاح التربوي، على أن ننهي هذا العمل في تناول الإطار العام للإصلاح التربوي في جزئه الثالث والأخير.
المحور الأول : مراحل الإصلاح التربوي بالمغرب :
المرحلة الأولى :من 1957إلى 1979:
عرفت هذه المرحلة إصلاحات جزئية، وغير شاملة، بسب غياب رؤية مؤطرة للإصلاح، وذلك راجع لمايلي:
_طبيعة المرحلة المفاجئة، أو الطارئة
_الإهتمام بسلك دون سلك آخر، أو مستوى دون مستوى
_الطبيعة الإنفرادية والمنعزلة لبعض المسؤولين في اتخاذ قرار الإصلاح.
المرحلة الثانية: من 1980 إلى 2000:
تميزت هذه المرحلة باكتمال مخطط التعريب واكتمال إرساء التعليم الأساسي(1985) ،تعديل نظام البكالوريا (1979/1987 _1994/2000), إعداد برامج التعليم الثانوي التأهيلي وفق منهجية جديدة (1994)
أهم نقطة تجلت في هذه المرحلة هي بداية تداول مصطلح المناهج. والمنهاج ،وهي خطوة متقدمةفي الوعي والنضج التربوي ،تمثلت في تعميق الإختيارات والتوجهات التربوية، وتنويع المقاربات والبيداغوجيات ،وتطوير المحتويات الدراسية، وتفعيل آليات البحث والتقويم التربوي.
إلا أن هذه المرحلة عرفت عدة معوقات، حدت من فعاليتها، نتيجة تغيير المسؤولين الأوائل عن القطاع، وعدم استكمال المناهج التعليمية، الذي اقتصر على المرحلة الثانوية التأهيلية.
المرحلة الثالثة : من 2001 إلى 2012:
عرفت هذه المرحلة ديناميكية، ونقلة نوعية في إصلاح المناهج بالإعتماد على ثلاث مرتكزات :
أولا: المرتكز المرجعي :
تمثل في إعداد الميثاق الوطني للتربية والتكوين ( 2000) باعتباره وثيقة مؤطرة، وأرضية توافقية للإصلاح التربوي.
ثانيا : المرتكز التربوي والبيداغوجي (. 2000)
تم من خلاله تحديد التوجهات التربوية العامة، في كل من مجال القيم، تنمية الكفايات، تحديد المضامين الواجب الإلتزام بها.
ثالثثا: المرتكز المؤسساتي :(2006)
تجسد في إحداث المجلس الأعلى للتعليم سنة 2006 والذي اعتبر قوة اقتراحية في مسار الإصلاح، وآلية للتقويم الموضوعي والمستمر، متمثلا في الهيئة الوطنية لتقيم أهم محطات عشريات الإصلاح.
وأمام ضعف الضعف السياسي والمالي، وضعف التنسيق بين المتدخلين، جعل الإصلاح بطيئا ولم يحقق أهدافه، مما استدعى سنة 2008 إعداد برنامج استعجالي لإستدراك هذا التأخر. لكنه اصطدم بمجموعة من المعيقات تمثلت فيما يلي
_ الإنزياح عن الهدف الرئيسي والمسار الحقيقي للإصلاح.
_ضعف التعبئة والإنخراط نتيجة محدودية المتدخلين.
_عدم مراعاة قدرات المديرين، والفاعلين التربويين، لحجم وثقل مشارييع هذا البرنامج.
_المناخ العام الذي واكب الربيع العربي، وضياع الزمن المدرسي.
المرحلة الرابعة : 2014 إلى 2030 :
عرفت هذه المرحلة مجموعة من الإنطلاقات والأهداف، قصد أجرأتها بشكل مستعجل وحاسم تمثلت فيما يلي :
*إعادة هيكلة المجلس الأعلى للتعليم وفق دستور 2011 والذي صار يحمل اسم الجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي.
* إعداد رؤية استراتيجية 2015_2030 قوامها الإنصاف والجودة والإرتقاء، وفضاؤها الأساس المدرسة،ومحورها المركزي المتعلم.
* إعداد قانون إطار يحصن هذه الرؤية، ويضمن لها كل الشروط الداعمة لبلورة توجهاتها وتحقيق أهدافها، من خلال عدة مداخل تربوية وبيداغوجية منسجمة و متكاملة، ومندمجة في الممارسة التربوية والبيداغوجية في الفضاء المدرسي.
في الجزء الثاني سنطرح أهم مداخل الإصلاح التربوي.
(عن مجلة علوَم التربية، العدد السابع والستون، شهر شتنبر 2017, بتصرف مدونة إدريس التربوية).

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق